يولد الخوف منذ اللحظة الأولى التي نخرج فيها من الرحم. في تلك اللحظة المصيرية ندرك أن هناك ما هو أكثر من الظلام والدفء، البرد، والضوء، والجوع.
نحن كائنات شديدة الهشاشة، تولد وتعيش وتموت محكومة بالخوف. وكما للحب وجوه متعددة، للخوف وجوهه أيضاً، لكن الوجه الأكبر والأبرز يبقى الخوف من المجهول، ذلك الذي لا نألفه فنخشاه، ونحاول جاهدين كشف ما وراء أسواره. ومن قلب هذا الخوف جاء التجسيد الثالث للرواية الشهيرة The Executioners برعاية اثنين من أساطير السينما، مارتن سكورسيزي وستيفن سبيلبرغ، وهذه المرة في مسلسل قصير من عشر حلقات.

عبر عشر حلقات يتابع العمل رحلة ماكس كيدي، الذي أمضى سبعة عشر عاماً في السجن بتهمة قتل زوجته الحامل وطفله، وهي تهمة يؤكد أنه أدين بها ظلماً. بعد خروجه إثر اعتراف عشيقته وانتحارها، يبدأ في تحويل حياة الزوجين آنا وتوم بودوين، المحامية والمدعي العام اللذين يحملهما مسؤولية سجنه، إلى جحيم حقيقي.
كانت انطلاقة المسلسل استثنائية، حبكة متسارعة تتدفق أحداثها بوتيرة تكاد لا تمنح المشاهد فرصة لالتقاط أنفاسه. غير أن هذا الزخم سرعان ما يتلاشى، لتدخل الحلقات في مرحلة من التكرار والترهل أفقدت العمل كثيراً من بريقه. ولسبب يصعب تبريره، بدا واضحاً أن صناع المسلسل أصروا على الالتزام بعشر حلقات، رغم أن المادة القصصية لا تحتمل هذا الامتداد. وبدلاً من تعميق الصراع الرئيسي، تتشظى الأحداث إلى حبكات جانبية لم تضف شيئاً يذكر إلى الشخصيات أو النهاية، بل بدت وكأنها وجدت لملء الفراغ الزمني. كما كان خط ابنة آنا وعشيقتها أبرز الأمثلة على ذلك، إذ استهلك مساحة طويلة من السرد دون أن يترك أثراً حقيقياً في تطور القصة.

يقدم العمل ماكس كيدي بوصفه شخصية تكاد تكون فوق القانون، قادراً على القتل والتسلل والتلاعب بالجميع دون أن يواجه عواقب حقيقية، وهو ما أفقد كثيراً من الأحداث منطقها الداخلي. كما يتلاعب بمحاميته السابقة مستخدماً وسائل متعددة، من المخدرات والتنويم المغناطيسي إلى الذكاء الاصطناعي، الذي جاء توظيفه موفقاً بوصفه أداة معاصرة تعكس المخاطر المتزايدة لسوء استخدام هذه التقنية عندما تصبح في متناول الجميع.
تكمن القوة الحقيقية للمسلسل في الأداء المذهل لخافيير بارديم، الذي يستحضر شيئاً من رهبة أنطون تشيغور في فيلم No Country for Old Men لكنه يمنح ماكس كيدي شخصية مستقلة لا تقل رعباً وتعقيداً. لا يكتفي بارديم بأداء الدور، بل يذوب فيه تماماً، فهدوؤه المستفز، ونظراته الجامدة، وتحولاته المفاجئة إلى العنف، تجعل من كيدي شخصية يصعب تجاهل حضورها.

أما إيمي آدمز، فتقدم أداءً متزناً في دور آنا بودوين، وتشكل مع بارديم ثنائية لافتة. آنا ليست الضحية المثالية التي تبدو عليها في البداية، بل شخصية متعددة الطبقات، تخفي وراء صورتها الأخلاقية كثيراً من التناقضات، وهو ما يجعل المواجهة بينها وبين كيدي أبعد ما تكون عن صراع تقليدي بين الخير والشر، لتتحول إلى مواجهة بين شخصيتين تحمل كل منهما حصتها من الظلام.
تحضر الألوان والإضاءة بوصفهما عنصرين أساسيين في السرد البصري، فالذكريات المرتبطة بسجن ماكس كيدي يغلب عليها السواد والظلال الثقيلة، بينما يبدو عالم عائلة بودوين في البداية دافئاً ومشرقاً. لكن مع تغلغل كيدي في حياتهم، تخبو الألوان تدريجياً، وتزداد الظلال كثافة، حتى يتحول المنزل الذي كان يوماً مساحة آمنة إلى مكان خانق تهيمن عليه روح الانتقام، في مشاهد تستحضر أجواء أفلام ألفريد هيتشكوك.
امتلك Cape Fear كل المقومات التي تؤهله ليكون واحداً من أبرز أعمال العام، قصة أصلية قوية، وطاقم تمثيل استثنائي، وإشرافاً فنياً رفيع المستوى. لكن السيناريو لم ينجح في استثمار هذه العناصر، فسقط في فخ التمطيط والحبكات الجانبية غير الضرورية، ليتحول عمل بدأ واعداً بكل المقاييس إلى خيبة أمل لم تستطع بلوغ الإمكانات الكبيرة التي امتلكها منذ البداية.

Movie Critic



