أنتوني ستار وكارل أوربان الثنائية العبقرية والجنونية التي صنعت مجد The Boys

أنتوني ستار وكارل أوربان الثنائية العبقرية والجنونية التي صنعت مجد The Boys

“في زمن الخداع العالمي.. يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً”

– جورج أورويل – رواية 1984

بعد طول انتظار وترقّب، انتهت رحلة معقدة من الدماء، الأشلاء، الأطراف المبتورة، والقوى الخارقة. لقد انتهت رحلة The Boys ويا لهذه النهاية.

لا مثيل للفتيان

منذ عرضه، أثبت الفتيان أنه قادم كي يضرب أعمال الأبطال الخارقين المعتادة بعرض الحائط، ففي هذا العالم الأمور معكوسة، أولئك المتباهون بأزيائهم بهيجة الألوان وعباءاتهم المتطايرة هم بؤرة الشر، فيما يقبع حماة الأرض متوارين كالجرذان في الأنفاق.

لأعوام طويلة شهدنا حرباً شعواء كاسحة بين هوملاندر، قرة عين شركة فوت ساحقة النفوذ، وبين بيلي بوتشر العبثي الساخر الذي وجد نفسه ضحيةً لجنون هوملاندر بلا أي رغبة منه.

صراع دموي تصاعد باضطراد متقلقل عبر خمس مواسم تفاوت مستواها بين الجيدة والمحبطة لدرجة الغيظ. لم يكن بوتشر وحيداً في صراعه، ففوت وهوملاندر خلفا مسيرة محترمة من العائلات المشردة والقلوب، وأحياناً العظام المحطمة.

بعد انتظار طويل وموسم رابع شكلت مشاهدته تحدياً حقيقياً، جاء الموسم الخامس والأخير كي يختتم الحكاية ويغلق صفحة صراع الفتيان مرة واحدة وإلى الأبد.

مستوى متأرجح بين تمطيط وتشويق

عانى الموسم الخامس من العلة التي أصابت الموسم السابق: الحشو، التمطيط، والأحداث التي وُجدت كي تطيل عدد الحلقات لا أكثر، إذ إنه وعوضاً عن التركيز على الصراع المتأجج بين الرفاق وفوت، فضل المسلسل منحنا عمقاً أكبر لشخصيات ثانوية كشخصية فايركراكر، التي لم نعرف بالضبط الداعي الحقيقي لتخصيص نصف حلقة لأجلها فقط.

هذا التركيز يمكن تقبله في أي موسم آخر، لكن في موسم ختامي ينبغي له أن يغلق الأبواب المشرعة، كان وجود مشاهد عاطفية لآني مع أبيها البعيد، أو لعلاقة ديب وبلاك نوار العبثية، مجرد حشو عبثي بلا طائل.

مع تقدم الحلقات وسعي هوملاندر الجنوني نحو الخلود، تصاعدت حدة الأحداث نوعاً ما وتحولت إلى سباق حياة أو موت، وإن لم يخل بالضبط من التمطيط المغلف بكثير من الدماء والصراخ وأشعة الليزر.

كان الموسم الخامس، في أفضل الأحوال، متأرجحاً. يبدو أن الكتاب وجدوا أنفسهم في مأزق لصنع ثمان حلقات كاملة، فقرروا حشوها بأي شكل كان مع إبقاء خيط رفيع يبقينا متحفزين للنهاية.

نهاية انقسامية تليق بجدلية العمل

هُزم هوملاندر بعد سبع عجاف، نيرون الطاغية سقط بعدما ظن أنه بلغ ذروة الكمال بيد ذلك العدو الذي صنعه بنفسه: بيلي بوتشر، الذي جعل من قتل هوملاندر منتهى حياته ومصبها. رغم انطلاقة الحلقة البطيئة نوعاً ما، إلا أن الأحداث بلغت ذروتها المرغوبة مع اقتحام الرفاق للمكتب البيضاوي لقتل الطاغية الذي أعلن نفسه إلهاً.

على عكس كل الحلقات السابقة التي سارت أحداثها ببطء مستفز، جاءت الحلقة الختامية شديدة السرعة، كأنما هناك نسخة مدتها ثلاث ساعات تم اختصارها إلى ساعة واحدة فقط.

القتال المنتظر بين بوتشر وهوملاندر جاء مثالياً بقسوته، عنفه ودمويته، لكن غياب سولدجر بوي، شكل صدمة قاسية لمن انتظر صراعاً بين الاثنين. الدور الذي انبغى على سولدجر بوي أداؤه وتجريد هوملاندر مما يجعله ما هو عليه، قواه الخارقة، أُسند إلى كيميكو التي نالت انتقامها من الوحش الذي دمر حيوات كثيرة لأجل نرجسيته.

لم تنتهي الحكاية بموت هوملاندر، فبوتشر الذي افترش طريقه إلى الجحيم بعناية وجد نفسه وحيداً، مهملاً، مرفوضاً. لقد فعل كل شيء وأي شيء لأجل الإطاحة بعدوه. 

لقد ارتبط وجود بوتشر بوجود هوملاندر، وحين رحل الأخير وجد نفسه تائهاً عاجزاً عن الاستمرار، فقضى بيد من أمسك بيده ذات يوم، في مشهد أقل ما يوصف به أنه كان عاطفياً بشكل يليق بعالم متأزم متخلخل كعالم الفتيان.

لا تكمن جدلية الحلقة الختامية في أحداثها، إنما تكمن في تسارعها، تذبذبها، واقتصار مسارات قصصها. إن عملاً بدأ بشابة تتلاشى في الهواء بسبب أسرع رجل في العالم يستحق معركة تتردد أصداؤها عبر الأعوام، ولا أقل.

أنتوني ستار اسم على مسمى

ما كان المسلسل لينجح لولا الأداء الاستثنائي الجبار، المقلل من تقديره أنطوني ستار بشخصية هوملاندر.

كل من شاهد مسلسل Banshee يدرك قدرة ستار على تقمص الشخصية التي يلعبها. ستار لا يمثل، إنما يعيشها بتفاصيلها الدقيقة حتى تجد صعوبة حقيقية في التفريق بين أنتوني وبين الشخصية على الشاشة.

كان هوملاندر طفلاً كبيراً مدللاً بقوى تفوق تصور البشر. لم يمتلك يوماً حياة طبيعية، بل كان دائماً سلاحاً، نموذجاً لنجاح فوت الساحق في صنع البطل المثالي. هذا الافتقاد للطفولة جعل منه أكثر خطورة. هوملاندر ليس شريراً بالضبط، إنه ضحية لنظام متسلط ورغبات أنانية في صنع المستحيل، وفي الوقت ذاته هو كتلة من النرجسية، الأنانية، والنفعية، مما يجعل شخصيته واحدة من أعقد وأصعب الشخصيات التي عرفها عالم التلفاز يوماً، شخصية كهذه تحتاج رجلاً كأنتوني ستار لمنحها حياة تليق بها.

بأداء يتأرجح بين الضعف والقوة، السلطة والخسارة، العنف والدموية، أذهلنا أنتوني ستار بأداء يصعب وصفه بالكلمات. في لحظات معينة تخترق نظرة عينيه المميتة ونبرة صوته المسطحة الشاشة كي تشعرك بالقلق والتوجس، وفي لحظات أخرى تراه طفلاً سخيفاً باكياً يريد فقط من يعترف بوجوده. 

هوملاندر أقوى رجل في العالم، لكنه بحاجة ماسة للاعتراف، للتشجيع، للحب الذي لم يعرفه للحظة. هذا التناقض الحاد في الشخصية ما كان ليظهر لولا الأداء المظلوم من الجوائز لممثل تخطى كل الحدود الممكنة ليصنع المستحيل أمام أعيننا ومن ير هوملاندر محطم الوجه والروح في نهاية الحلقة الأخيرة سيدرك هذه الحقيقة بلا أي شك.

كارل أوربان حكاية أخرى

ولأن لكل فعل ردة فعل، لا بد من تواجد نقيض لشخصية هوملاندر، شخصية تماثلها تعقيداً وقسوة، وهنا يأتي كارل أوربان بأداء يكاد يقارب أداء أنتوني ستار كي يجعلنا نغرم ببيلي بوتشر.

منذ اللحظة الأولى نجح أوربان في منح بوتشر بصمة بصرية مميزة: شعر مشعث، لحية كثيفة، ملابس متنافرة الألوان، ولا ننسى طبعاً اللكنة النيوزيلندية التي منحت الشخصية ألقاً لا مثيل له.

عبر المواسم نرى بيلي بوتشر يتحول إلى أسوأ نسخة من نفسه. ذلك الثائر الساخر أصبح وحشاً لا يرحم، لا يجد غضاضة في قتل طفل إذا اضطره الأمر كي ينال هدفه. بوتشر شخصية متعددة الأبعاد والدوافع، يسهل كرهها لولا أوربان الذي منحها جاذبية غير مسبوقة. بوتشر أسير الانتقام الذي أعماه، إنه وجه آخر لعملة هوملاندر، قادر على فعل ما لا يخطر على البال فقط كي يضمن سير خطته كما يرغب. 

ظلامه الخاص يبتلعه دون أن يشعر. عبر طريقه المعبد بالدم فقد بوتشر نفسه، إنما لم يفقد أياً من سحره وجاذبيته، والفضل في هذا يعود إلى كارل أوربان الذي قدم في آخر حلقة أداءً يكاد يوازي أداء أنتوني ستار في صدقه وقوته.

وما الفتيان بلا السخرية السوداوية؟

منذ اللحظة الأولى جاء الفتيان كي يقلب الموازين رأساً على عقب، رافعاً إصبعه الأوسط في وجه كل الأبطال الخارقين بعوالمهم المثالية. في بدايته كان عملاً لا يهادن، لا يتهاون، يتبجح بقدرته الوافرة على سحق الأجساد وسكب الدماء، وطبعاً تلك الكوميديا السوداء المميزة التي جعلت من الرئيس الأورنجي الفاشي دونالد ترامب نبعاً لا ينضب لها، خاصة في الموسم الأخير.

إن أي متابع للسياسة العالمية سيكون قادراً على تمييز التلميحات الخبيثة والتطابق المثير للشكوك بين هوملاندر وترامب. كل هذه العوامل جعلت من The Boys عملاً فذاً يغرد خارج كل سرب.

لكن استعجال الكتابة، تمطيط الأحداث، وقصور تطور الشخصيات الثانوية، كل هذه العوامل أضرت بعمل كان يمكن له أن يغير عالم الشاشة الصغيرة مرة واحدة وإلى الأبد. ومع ذلك، كانت رحلة سبع سنوات مثمرة. لربما لم ننل النهاية التي حلمنا بها، لكن في عالم كهذا العالم كانت هذه النهاية الوحيدة الممكنة.