”كن معي دائماً.. اتخذ أي شكل واجعلني أجن.. فقط لا تتركني في هذه الهاوية حيث أعجز عن إيجادك.”
— كاثي لهيثكليف (مرتفعات ويذرينغ)
كانت رواية إميلي برونتي اليتيمة أعجوبة روائية خلدت اسم مبدعتها التي رحلت عن عمر ثلاثين عاماً فقط.
لم تكن “مرتفعات ويذرينغ” حكاية حب تقليدية، بل كانت ملحمة جنونية من الألم، البغض، الرغبة، وحب الامتلاك الذي يودي بصاحبه إلى الهلاك. كثيرة هي الأعمال التي اقتبست سحر الرواية عبر الزمن، لكن أياً منها لم ينجح في سلب جوهرها وإهدار قوتها كقصة بقدر فيلم إيميرالد فينيل.
يستند الفيلم بشكل فضفاض إلى الرواية، وفقاً لتصريحات فينيل، يبدو أن مصطلح “فضفاض” يعني أن تأخذ رؤوس الأقلام وتصنع قصة لا تمت للأصل بصلة. يجرد الفيلم القصة من كل ما يجعلها مميزة ومختلفة، الكراهية، العنف، الولع الجنوني، والهوس، مفضلاً التركيز على كاثي وهيثكليف كأنهما زوج حالم من المراهقين. لا يلتزم الفيلم بأصله الأدبي منذ البداية، مفضلاً افتتاحية مريبة تجعلك غير متأكد ماذا تشاهد بالضبط.
لقد حولت فينيل عملاً قوطياً مظلماً إلى عرض بصري مبتذل، مهووس بالإثارة السطحية والأجساد الملتوية، كأنما هو نسخة عصر النهضة من 50 Shades of Grey رغم كونه مقتبساً من واحدة من أكثر الأعمال الأدبية عاطفةً، إلا أن الفيلم جاء عقيماً فارغاً بشكل صادم.

شكلياً، الفيلم جميل بحق يخطف الأنظار، يقدم تجربة سياحة مجانية ويركز على الاستفزاز البصري، مهملاً العمق النفسي بالمطلق، مما يجعله سطحياً أكثر من أفلام المراهقين حتى. لكن أسوأ ما فعله الفيلم تجلى في طريقة تقديمه لشخصياته، تلك الكائنات المعذبة المحطمة تتحول بطريقة ما إلى نسخ فارغة من نفسها. هيثكليف المحطم الشرس أصبح أشبه بعارض أزياء فائق الوسامة، وكاثي النارية القاسية الأنانية جاءت ميكانيكية باردة.
أداء الثنائي مارغو روبي وجايكوب إيلوردي جاء مقبولاً، والانسجام الحالم بينهما كان ملموساً، لكن كاثي وهيثكليف ليسا عشيقين. فعلاقتهما السامة الخانقة المريضة لم يجرؤ الفيلم على مواجهتها، فقام بتلميعها وصقلها حتى أضحت نسخة باهتة بلا أي طعم، تلك العلاقة الأسطورية التي ينبغي أن تكون مرعبة عنيفة وثقيلة الوطء، تُختزل هنا إلى نسخة جنسية مبالغ فيها.
تتعامل فينيل مع العمل كأنما هو عرض أزياء، تركز على الصورة مهملة المضمون، وتمنح الأحداث إيقاعاً متقطعاً يفقدك أي ارتباط بنغمة تتأرجح بشكل مرتبك بين الرومانسية والبرود.

إنه فيلم مذهل بصرياً بالقطع، لكنه لا يشعر بما يرويه، وهذا أسوأ ما قد يحصل لقصة قائمة على العاطفة المتطرفة.
أعمق مشاكل الفيلم كانت الحقيقة المؤلمة في أنه فشل في فهم جوهر الحكاية أصلاً، “مرتفعات ويذرينغ” ليست قصة حب ولا هي دراما رومانسية تغرقها البذلات وكورسيهات الفساتين الضخمة، إنها حكاية عميقة عن الانتقام والطبقية والجنون، ما نجحت فيه فينيل كان تفريغ المرتفعات من روحها السامة المظلمة.
في النهاية، لا يبدو فيلم Wuthering Heights كاقتباس سيئ فحسب، بل كعمل لم يفهم يوماً ما الذي يحاول اقتباسه. فما قدمته إيميرالد فينيل ليس قراءة جديدة للرواية، بل محاولة لتجميلها حتى فقدت ملامحها، إنه فيلم مصقول، مغر بصرياً، لكنه خال من ذلك الجنون الخام الذي جعل الرواية خالدة. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة، بينما كانت “مرتفعات ويذرينغ” عملاً لا يمكن ترويضه، يأتي هذا الفيلم ليُروضه تماماً.. حتى يفقد كل ما يجعله حياً.



