صوت هند رجب … حين تجنبتُ السينما وواجهتُ الواقع – إياد الحسن

حين انتشرت أخبار إتاحة فيلم صوت هند رجب للمخرجة التونسيةكوثر بن هنية بصيغة المشاهدة عند الطلب (VOD) تعمّدتُ تجنّب أي مادة ترويجية أو مقاطع منه. لم يكن ذلك بدافع الفضول، بل خوفًا من مواجهة قصة حقيقية تركت في داخلي ندبة لم تندمل. حين وقعت الجريمة قبل عامين، لم أستطع سوى كتابة قصيدة واحدة، كانت ردّ فعلٍ على شعورٍ بالعجز قادني لاحقًا إلى صمتٍ طويل وألمٍ كثيف.

خشيتُ على موضوعيتي، وخشيتُ أكثر من مواجهة عجزي حين يتعلق الأمر بطفلة صغيرة محاصرة داخل سيارة شبه
محترقة، محاطة بالجثث، لا تملك سوى هاتف محمول تحاول عبره استجداء النجدة من موت وشيك. دخلتُ قاعة السينما وأنا على يقين بأنني لن أخرج الشخص نفسه. وهو ما حدث فعلًا. فهذه المراجعة، التي يُفترض أن تكون قراءة موضوعية لفيلم يستند إلى واقعة حقيقية، أعادت فتح جرح لم يلتئم، في عالمٍ لم يُبد، حتى الآن، استعداداً حقيقياً لإعادة النظر في موقفه مما يحدث منذ أكثر من عامين، وعلى مشارف عام ثالث، شاهدنا خلاله واحدة من أكثر الإبادات الجماعية وضوحاً في كذب ما يُسمى (بالعالم الحر)

من زاوية فنية، يمكن النظر إلى الفيلم بوصفه وثيقة تاريخية بامتياز. اعتمدت المخرجة على التسجيلات الصوتية الأصلية الصادرة عن الهلال الأحمر الفلسطيني خلال محاولاتهم إنقاذ هند. يقوم الفيلم، في بنيته الأساسية، على المكالمات الهاتفية المطولة بين الطفلة هند رجب وموظفي الهلال الأحمر، على مدار أربع وعشرين ساعة من المحاولات المستميتة. ويعرض، بسلاسة مؤلمة، التعقيدات الإجرائية التي واجهتها الطواقم الطبية في مناطق الاشتباك المباشر، ولا سيما شمال غزة، مركز الأحداث.

يسعى الفيلم إلى إعادة إحياء المشهد الحقيقي عبر بناء بصري محدود، فيما يظل صوت هند حاضراً على امتداد زمن الفيلم، البالغ ساعة وعشرين دقيقة. هذا الخيار الإخراجي يحول الصوت إلى مركز ثقل درامي وأخلاقي في آن. وحين جرى تداول الحديث عن ترشيح الفيلم لجوائز سينمائية دولية كبرى، شعرت ولو بحذر أن ثمة محاولة لخلخلة سردية سينمائية طالما همشت الرواية الفلسطينية أو شوهتها. فالتاريخ السينمائي العالمي يزخر بأعمال كبرى اعتمدت على قصة فرد واحد لتكثيف مأساة جماعية كاملة. لم يوثق فيلم Schindler’s List الهولوكوست بوصفه أرقاماً، بل عبر قائمة أسماء وحيوات بعينها، تماماً كما قاد The Pianist المشاهد إلى خراب وارسو من خلال عازف بيانو واحد، أو كما اختار Son of Saul زاوية رؤية خانقة، تلتصق بوجه واحد داخل آلة الإبادة، ليُجبر المتلقي على العيش داخل الجحيم لا مراقبته من الخارج.

في السياق ذاته، بنى فيلم Life Is Beautiful سرديته على براءة طفل واحد ليصوغ خطاباً إنسانياً عابراً للحدود،
فيما قدم Hotel Rwanda الإبادة الجماعية في رواندا من خلال شخصية فردية، لا عبر تقارير المنظمات الدولية
أو لغة الإحصاء. هذه الأعمال لم تُتهم بالتحيز، بل حظيت بأعلى درجات الاعتراف السينمائي، لأنها أدركت أن الطريق
إلى الضمير العالمي يمر عبر قصة إنسان، لا عبر الأرقام.

انطلاقاً من هذا الإرث السينمائي، لا يبتدع صوت هند رجب لغته من فراغ، بل يدخل مباشرة في قلب هذا التقليد، مع
فارقٍ جوهري، أن الضحية هنا فلسطينية، وأن الصوت الذي يقود السرد ليس تمثيلاً درامياً، بل تسجيل حقيقي لطفلة
تطلب النجاة. هنا يصبح السؤال غير فني في جوهره، لماذا تُستقبل بعض القصص الفردية بوصفها تمثيلاً إنسانياً كونياً،
بينما يُطلب من القصص الفلسطينية دائماً أن تُثبت أحقيتها في الحزن، وأن تُنزع عنها صفة الإنسانية الكاملة كلما اقتربت من مركز المشهد؟

لا أضع الفيلم هنا في مقارنة فنية مجحفة، بقدر ما أضعه في سياقه التاريخي والرمزي. فقصة هند ليست حادثة عابرة، بل صورة ينبغي أن تبقى معلّقة في مواجهة المؤسسات الإنسانية التي عجزت، أو ترددت، عن اتخاذ موقف حاسم. يكشف الفيلم، بهدوء قاسي، طبيعة القيود التي شلت عمل المنظمات الإنسانية العاملة في غزة، وصعوبة الحصول على ممر آمن لسيارات الإسعاف للوصول إلى موقع الطفلة. ويزاوج بين الصور الحقيقية لكوادر الهلال الأحمر وتمثيلها الدرامي، في بناء بصري أقرب إلى حلم واقعي، يضع الإنسان في مواجهة لحظة يتقاطع فيها الواجب المهني مع النداء الأخلاقي العاري.

فنيًا، يتسم الفيلم بجرأة واضحة. هو فيلم مؤلم، قاسٍ، وغير مهادن. ولم أستطع ولا حاولت أن أكون موضوعياً بالكامل، لأن القصة نفسها لا تحتمل حياداً بارداً. هنا لا يُختزل الفن في جمالياته، بل يتحول إلى مناجاة مفتوحة، وبكاءٍ جماعي على هند، وعلى كل طفل يشبهها في غزة.

بكيتُ لأنني أريد لكل طفل فلسطيني أن يعيش دون أن يُثقل وعيه المبكر بالحرب، والحصار، والجوع، والفقد. وبكيت لأن الممثلين لم يكتفوا بالأداء، بل بدوا وكأنهم يعيشون التجربة من جديد. وحين انتهى العرض، مشيتُ صامتاً في شوارع مالمو، وصوت هند لم يفارقني. هذا فيلم لا ينبغي نسيانه لأنه مؤلم، بل حفظه لأنه يضع إنسانيتنا موضع مساءلة. على مستوى اللغة البصرية، اعتمدت كوثر بن هنية على فضاء واحد تقريباً، مكتب الهلال الأحمر، ولوح زجاجي كبير كان المسعفون يكتبون عليه عدد الدقائق التي لا تزال هند محاصرة خلالها. انعكاس صورة الممثل معتز ملحيس على الزجاج عزّز شعور الاختناق والضغط الزمني. وفي المقابل، حمل أداء الممثلة سجى كيلاني لحظات من أمومة صافية، كان صوتها بمثابة خيط رفيع من الطمأنينة، لا للطفلة وحدها، بل لنا نحن المشاهدين.

استثمر الفيلم عامل الزمن بوصفه عنصراً درامياً ضاغطاً، يدفع الممثلين والمشاهدين معاً خارج منطقة التلقي الآمن. وعلى الرغم من مدته المتوسطة، فإن الفيلم لا ينتهي بانتهاء عرضه، بل يرافقك، ويعيد طرح أسئلة كنت قد تجنبتها في
زحام الصور الجماعية القادمة من غزة. تركيزه على قصة واحدة، على حياة واحدة، وعلى أمل واحد، خلق رابطاً عميقاً بين المشاهد وطفلة لا نراها، لكننا نسمع صوتها الحقيقي.

لا أطمح إلى الجوائز بوصفها غاية، بل بوصفها وسيلة لبقاء الفيلم حاضراً في الذاكرة العالمية، كما حدث مع أعمال
سينمائية كثيرة رسخت سردياتها بعد الاعتراف المؤسسي بها.

ختاماً، إن فيلماً مثل “صوت هند رجب” يستحق عمراُ طويلاً في الذاكرة. وعلينا، نحن الساردين والكتاب، أن نستمر في الحديث عن أطفال فلسطين، لا بوصفهم أرقاماً أو رموزاً، بل بوصفهم حيوات كاملة قُطعت. إبقاء صوت هند حاضراً ليس فعل تعاطف فحسب، بل فعل مقاومة للسرديات التي جردت شعباً كاملاً من إنسانيته.

قيم هذا المقال