” إن الحياة في زمن يهدد فيه الظلام كل لحظة، تصبح كل خطوة، كل قرار، اختباراً للحرية الإنسانية.”
ألبير كامو
لم تكن الأزياء ذات الألوان المتنافرة، وتسريحات الشعر المشعثة وحدها من شكلت النسيج الثقافي لفترة الثمانينات، فخلف الألوان البراقة وموسيقى الروك الصاخبة كان العالم بأسره يرزح تحت وطأة واحدة من أشرس الحروب التي عرفها الكوكب، الحرب الباردة التي قسمت العالم إلى ما وراء الستار الحديدي المتمثل بالاتحاد السوفيتي، وجنة الحريات الموعودة في أميركا.
في تلك الفترة وصلت الحرب إلى ذروتها، وتصاعدت شائعات مقلقة عن تحويل المواطنين الغافلين إلى فئران تجارب بشرية، فئران تمتلك قدرات تفوق البشر العاديين. لقد أججت هذه الإشاعات الخيال البشري، وتحولت إلى نبع لا ينضب يغذي باستمرار نظريات المؤامرة وقصص الخيال العلمي على حد سواء، ومن قلب الثمانينات بسحرها وانقسامها ومخاوفها خلق أشياء غريبة مساحة خاصة لنفسه.
للوهلة الأولى يظهر العمل كمسلسل سطحي طفولي، لكن Stranger Things برهن أنه جاء بعالمه المقلوب كي يقلب موازين عالم الشاشة الصغيرة رأساً على عقب.
عقد كامل مضى خضنا من خلاله مغامرات غريبة حاسمة مخيفة، جسدت الصراع الدموي بين الرفاق المدججين بقوى إيليفين الخارقة والعالم المقلوب الذي يبدو أن لا نهاية لأسراره وخفاياه، والذي ألقى بأكبر قنابله، هناك ملك متوج يقطنه، وهذا الملك لن يهمد حتى ينال انتقامه.
بعد طول انتظار دام أكثر من اللازم آن أوان المعركة النهائية المنتظرة، لقد عاد فيكنا كي يعيث فساداً في عالم نبذه، جاعلاً من مجموعة من الأطفال، أحدهم طفلة عائلة ويلر المنحوسة، ذخائر لحربه الدموية. ومع اكتشاف امتلاك ويل بايرز لقوى خارقة تقارب قوى إيليفين، استطاع المسلسل أن يخلق رغبة لا تهمد في انتظار أن نعرف ما سيحدث، وتفسيراً مقبولاً لما حدث.

معركة النهاية اقتربت
تنطلق أحداث الفصل الثاني من حيث انتهت أحداث آخر حلقات الفصل الأول، لقد انتصر فيكنا ونجح في خطف الاثني عشر طفلاً رغم كل المقاومة التي ظهرت في طريقه، والآن ينبغي على أبطالنا أن يحاربوا على جبهتين، فيكنا وعالمه المقلوب، والجيش المليء بالحمقى والمتمثل بالدكتورة كاي التي تمثل شراً أسوأ من كل شرور فيكنا.
يقدم المجلد الثاني من الموسم الخامس حبكة أكثر نضجاً وقتامة، لم يعد هناك مكان أو رغبة في الطفولية، إنها الحرب، ولا سبيل سوى الحرب.
خلال المواسم الثلاثة الأولى كانت إيليفين هي القوة المطلقة، الحارس الأمين للعالم، لا مثيل لقواها ولا عدو يضاهيها، لكن في الموسم الرابع ظهر فيكنا أخيراً قوياً بغيضاً مخيفاً، وانبغى وجود رفيق آخر لإيليفين، بطل ثان يساندها. الطفل الذي كان أول ضحايا فيكنا أصبح شوكة في حلقه، لقد نضج ويل بايرز وأصبح زناداً في ترسانة المقاومة، لا مجرد ضحية معدومة الحيلة.

حبكة متعثرة في خيوطها المشتتة
تنقسم الحبكة إلى عدة محاور، بحيث نجد أنفسنا أمام عدد أكثر من اللازم من الخطوط السردية، الأمر الذي يخلق نوعاً من الارتباك والتشتت. يفترض أن تكون الحبكة العامة هي الحرب ضد فيكنا، لكن التركيز الأبرز جاء من نصيب العلاقات الأسرية والعاطفية المتفسخة. السرد العاطفي ضروري بالطبع، لكن هناك ما هو أهم من التوتر القائم في مثلث الحب الجامع بين ستيف وجوناثان ونانسي، أو رغبة ويل المستجدة غير المبررة في أن يخرج من الخزانة ويكشف عن ميوله. هذا التشتت جعل الحلقات تحتوي على قدر مزعج من التمطيط والملل، وتأخير لا سبب له سوى إرضاء أجندات نتفلكس المعتادة.
تستعيد الحبكة تركيزها قرب النهاية رغم أسلوب السرد المتقلب، مانحة إيانا جرعة مكثفة ضرورية من الرعب والقلق الممتزجين بالقدر المناسب من الترقب، مع اللمسة المعتادة المملة من إنقاذ الجميع في آخر لحظة بطرق تتخطى كل واقع، حتى لو كان واقع عالم Stranger Things، مما يشكل نقطة ضعف كان يمكن تلافيها بقليل من الدراما. لكن وبشكل عام كانت الحلقات الثلاث من المجلد الثاني تمهيداً جيداً للمعركة النهائية القادمة التي خصصت الحلقة الأخيرة لأجلها

أداء تمثيلي ناضج وفقدان للمسة الأبوية
عبر عشرة أعوام طويلة شهدنا نضج أولئك الأطفال الذين حملوا العمل على عاتقهم منذ البداية، ورأيناهم يتغيرون ويتحولون إلى نسخة أفضل من أنفسهم. لا تزال ميلي بوبي براون مركز السحر وقلب أشياء غريبة الحقيقي، أداؤها يتصاعد باضطراد واضح يتناسب مع تطور الشخصية. لم تعد إيليفين تلك الطفلة الغريبة الخائفة، بل أصبحت البطلة التي أنقذت العالم مراراً. تطور شخصيتها واضح ملموس، لقد نضجت الصغيرة حليقة الرأس وأصبحت أفضل نسخة يمكن تخيلها لنفسها.
تشكل ميلي تناغماً واضحاً مع ديفيد هاربر الذي منح العمل ألقاً أبوياً محبباً بشخصية جيم هوبر، الشرطي الذي رأى إيليفين على حقيقتها، طفلة مسكينة يتيمة أرغمت على أن تكون سلاحاً حربياً مدمراً. لكن في النصف الثاني من الموسم الخامس اقتصر ظهور هوبر على بضعة مشاهد لا أكثر، رغم أنه الأب الذي دائماً ما تاقت إيليفين إليه. لقد افتقدنا شجاعته ورغبته الكاسحة الدائمة في حمايتها حتى من نفسها.
أيضاً يؤخذ على الموسم الخامس أنه قنن وحجّم من دور وينونا رايدر التي أضافت أمومية تخلب الألباب طيلة المواسم السابقة بحبها اللامتناهي لأطفالها، ولتلك اليتيمة المسكينة ذات القوى الخارقة، وشجاعتها في مواجهة مجهول مرعب كمخلوقات العالم المقلوب الشنيعة، إنها التجسيد الأمثل لقوة حب الأم.
أما نواه شناب فقد تألق بحق بدور ويل بايرز، مظهراً نضجاً فنياً ملموساً، ونجح في تجسيد التناقض المؤلم الذي يعاني منه ويل منذ دخل العالم المقلوب أول مرة، هل هو بطل أم ضحية؟ جاسوس أم محارب؟

فيكنا.. أفضل شرير يمكن أن نطلبه
يستحيل الكلام عن الأداء التمثيلي دون التطرق إلى جيمي كامبل باور الذي كان مذهلاً بحق بدور هنري أو السيد واتسيت أو فيكنا. إنه حصان المسلسل الأسود ومنقذه الحقيقي. فيكنا هو الشرير الأفضل والأقسى، والحقيقة أن وجوده هو ما منح آخر موسمين قيمة ملموسة، ولولاه لانتهى العمل بأكمله بعد الموسم الثالث.
في المواسم الثلاثة الأولى كان الشر كليلاً مشتتاً تائهاً في غياهب العالم المقلوب الضبابي، مجرد وحوش غريبة مميتة حملت اسم ديموغورغن. لكن ومع رغبة الأخوين دافر في توسيع عالمهما، كان لا بد من شرير مقنع، شرير قادر على تقديم الزخم الدرامي اللازم للأحداث.
فيكنا ليس مجرد شرير مجنون آخر، بل هو شخصية عميقة متعددة الأبعاد والدوافع. تاريخه رسم بالدماء حاضره، والرعب الذي يخلقه لا يعود فقط إلى شكله الشبيه بشجرة ناطقة جعلت منها الديدان وليمة، ولا إلى صوته العميق المثير للقشعريرة، بل لكونه ودوداً بشدة، لطيفاً طيباً، يخفي تحت ملامحه اللطيفة وحشية مريعة قلما تراها. شر مستطير يصعب ألا يثير الرعب في القلوب. لقد جسد فيكنا رعب الأشخاص الودودين أكثر من اللازم كما ينبغي تماماً. في الواقع، ومن ناحية الكتابة، لربما تكون شخصية فيكنا الشخصية الأفضل والأقرب للواقع. ستدخل هذه الشخصية تاريخ الأشرار من أوسع أبوابه قطعاً.
هناك شخصيات أخرى طبعاً، ففي الواقع الشخصيات أكثر من اللازم في عالم Stranger Things، ويصعب التطرق إليهم جميعاً. كثرة الشخصيات تخلق تشتتاً في الأحداث، وتضع الأخوين دافر أمام تحد مقلق لتقديم نهاية ملحمية تغلق كل الأبواب المشرعة، وتمنح جميع الشخصيات على اختلافها خاتمة لائقة.

عندما تصبح الألوان جزءاً من الحكاية
على عكس المواسم السابقة كان للألوان الباردة المحايدة السيادة المطلقة. ضوء النهار يكاد لا يرى، والظلال تغزو كل زاوية.
من المثير للاهتمام أن سجن فيكنا الذي وضع فيه الأطفال كان مفعماً بالألوان الفرحة النضرة الشبيهة بحكايات الأطفال، رغم الجو المنذر بالخوف والرعب الذي يحيط به، تناقض جمالي جعل من مشاهد هذا السجن تحفة بصرية.
العالم الخارجي كان النقيض المطلق، كالحاً ضبابياً بارداً لا يختلف كثيراً عن العالم المقلوب. لقد اندمج العالمان لونياً كأنما أصبحا عالماً واحداً محكوماً بالرماد.
ينبغي القول إنه ورغم ثغرات الحبكة المزعجة كان Stranger Things رائعاً بصرياً، جاء أشبه بلوحة جنونية التفاصيل جمعت بين الرعب والترقب والجمالية الوحشية، خاصة عالم عقل فيكنا المشوه بألوانه الحمراء الدموية وضبابيته المثيرة للغثيان. يصعب حقاً ألا ينالك الخوف عندما ترى السماء الداكنة بغيومها الغاضبة الملتمعة بالبرق الأحمر.

من الشرير حقاً؟
يطرح المسلسل تساؤلاً ملحاً، من هو الشرير الحقيقي في هذه الحكاية؟ أهو فيكنا، خاطف الأطفال ذو الطموح الجنوني في إعادة خلق العالم بأكمله، أم العلماء المخابيل الذين حولوا الأمهات والأطفال الرضع إلى أسلحة في أيديهم، لدرجة أنهم رفضوا منحهم أسماء معينة، بل مجرد أرقام، كأنما هم فئران تجارب يمكن التخلص منها في سلة القمامة؟ هذا التساؤل يمنح العمل بأكمله خصوصية مميزة وثقلاً درامياً ملموساً بالقطع.
وهكذا انتهت الحكاية..
أكثر إيجابية من اللازم قد يكون أدق وأصدق وصف للنهاية التي اختتم بها الأخوان دافر عملهما الذي تحول إلى ظاهرة عالمية فريدة من نوعها، كانت الحلقة الأخيرة معركة دموية مميتة وصراعاً طال انتظاره بين أبطالنا وفيكنا، عبر ساعتين تقريباً قدمت الحلقة جرعة مكثفة من الرعب الإثارة التشويق كانت المعركة ملحمية بالقطع مذهلة بصرياً، لكن نهايتها جاءت متوقعة أكثر من اللازم، كان بإمكان الأخوين تقديم نهاية أسطورية في صدماتها وآلامها لكنهما اختارا الحل الآمن، نهاية تليق بحكايات ديزني لا بعالم مدجج بالوحوش المريعة والقدرات الخارقة، لربما تعجبك النهاية خاصة أنها احتوت قدراً لا بأس به من الرومانسية الحالمة لكن عملاً كهذا استحق نهاية كنهايات جورج مارتن، أو على الأقل نهاية أقل سعادة بشكل ما.

وفي النهاية
على سبيل النقد قيل كثيراً أن Stranger Things عمل طفولي من بطولة مجموعة من الأطفال.
ربما يكون هذا صحيحاً، لكن هؤلاء الأطفال حملوا على عاتقهم عملاً كاملاً من الصفر، وحولوا حكايته المقبضة إلى مغامرة مثيرة تقشعر لها الأبدان، بغض النظر عن طريقة انتهاء المسلسل كان Stranger Things أيقونة تلفزيونية وثقافية عملاً لن ينسى في أي وقت قريب، نفحة محببة من الثمانينات الجميلة التي دمجت بذكاء مع حبكة قصصية ملونة بالرعب والإثارة، ملحمة عقد كامل انتهت مع انتهاء عام 2025 لربما لم ينل الخاتمة الأفضل أو الأمثل لكن إنكار خصوصيته تفرده وأثره لا يمكن أن يُقبل، وفي النهاية قليلة هي الأعمال التي امتلكت خاتمة أسطورية حقيقية فأحياناً يكون الوداع أصعب من اللازم.

Movie Critic
