” حين أخذت مني كلَّ شيء، تركت لي القدرة على الانتظار، وحين صمت صوتك، تعلّمت أن أسمعك في الغياب “
-طاغور
أن تخسر طفلاً لهو ألم لا يمكن تخيله إلا لو عشته، تلك الأرواح العذبة التي تخرج من الأرحام صارخة صاخبة هي الحياة والأمل بالنسبة لمن أنجبهم، لا ينبغي لأم أن تدفن طفلها ولا ينبغي لأب أن يعيش جحيم فقدان طفله، لكن الحياة بقسوتها وعبثيتها قد تضع الوالدين أمام هكذا اختبار، فتحولهم التجربة إلى أرواح هائمة في جحيم الفراق.
ذات يوم ومنذ قرون بعيدة وقف العالم بأسره مذهولاً أمام شاب إنجليزي يعشق المسرح يدعى ويليام شكسبير، كاتب نفث الحياة في قلب شخوصه وحكاياته فغيّر عالم الأدب إلى الأبد.
لم تكن الحياة رحيمة بشكسبير، إذ أنها اختبرته الاختبار الأقسى وأخذت منه طفله هامنت الذي رحل تاركاً ندبة دائمة في قلب أبويه.
إن أي مطّلع على أعمال المسرحي العظيم سيلاحظ اختلاف نبرة شكسبير المسرحية عقب وفاة طفله، لقد أغرق الحزن قلبه وأثقل الفقدان روحه، فكان المسرح وسيلته كي يسأل، وكيف لي أن أمضي قدماً بعدما رحل طفلي؟ من رحيل هامنت المدمر خُلق هاملت وجاء كي يكون أعظم وأعمق ما كتبه ويليام شكسبير يوماً.
ومن قلب هذه المأساة يأتي فيلم Hamnet حاملاً اسم ذاك الطفل كي يذهلنا ويسلب قلوبنا، لقد أحيت المخرجة الصينية كلوي تشاو مأساة هامنت وقدمت ملحمة درامية لا ولن تنسى، وعملاً ينافس وبكل استحقاق في موسم جوائز الأوسكار.
أكون أو لا أكون.. سؤال نبع من قلب فطره الحزن.

بسرد مسرحي متصاعد ينطلق الفيلم من قلب غابات انكلترا كي نتعرف على أغنيس هاثاواي التي يتقاطع دربها مع شاب قروي يعمل معلماً خاصاً ليساعد في سداد ديون أبيه، يغرم الشاب بأغنيس منذ اللحظة الأولى، هذا الشاب الصغير سيكبر يوماً كي يكون أعظم كاتب في العالم بأسره ويليام شكسبير.
رغم الشائعات التي تتهم أغنيس بأنها ابنة ساحرة من الغابة علمتها أسرار الأعشاب، إلا أن ويليام الشاب لا يكترث ويتزوج أغنيس لينجبا طفلتهما الأولى سوزانا، ويرحل ويليام إلى لندن ملاحقاً أحلامه واضعاً البذرة الأولى لما سيصبح لاحقاً المرجعية الأسمى للمسرح.

بعدها بأعوام قليلة يرزق الزوجان بتوأم صبي هو هامنت وفتاة نجت من الموت بأعجوبة هي جوديث التي تعيش أمها خوف فقدانها في كل لحظة، لكن الحياة تباغتها وتأخذ هامنت من بين ذراعيها، لقد خسرت أغنيس طفلها الصغير والألم ينهشها والحياة كلها بلا معنى منذ تلك اللحظة.
يركز السيناريو على أغنيس لا على شكسبير، ويتمركز حول معاناة الأم حول خسارتها المفجعة ووحدتها.
نحن هنا لا نشاهد فيلماً عن عبقري أدبي، بل نعيش تجربة امرأة فقدت فلذة كبدها، في سرد متصاعد يسمح للمشاهد بعيش التجربة العاطفية بالشكل الأمثل.
يختار الفيلم زاوية نادرة، فيحكي قصة الطفل لا قصة الأسطورة، قصة ألم لا يهمد لحظة، ألم يتشظى ويتناثر في كل مشهد سالباً إيانا قدرتنا على التماسك، هنا يصبح الفقد تجربة حسية لا فكرة مجردة.
لا يهمل الفيلم هاملت، المسرحية التي يرى الكثيرون أنها وسيلة شكسبير لمحاولة التعافي، اعتذار منه لروح طفله الذي خذله وسمح للموت بأخذه.
أكون أو لا أكون.. سؤال تردد منذ قرون وقرون بلا توقف، سؤال أطلقه أب مفجوع متسائلاً عن معنى الحياة وحقيقتها، عن مغزى أن تعيش بعدما خسرت ما كنت تظنه الحياة كلها، ومرثيةً صامتةً لأم أحرقتها نيران الفقد.
السيناريو الذي تعاونت فيه كلوي تشاو مع ماغي أوفاريل كاتبة رواية هامنت كان جزءاً حميمياً من نجاح العمل، بحبكته المتقنة الواقعية وحواراته الساحرة والروح الغارقة في الحزن التي كللت كل تفاصيله.
جيسي باكلي .. أداء ملحمي يخلد إلى الأبد.

حملت جيسي باكلي الثقل الأكبر في الفيلم، فالعمل الذي يركز على فقدان طفل جعل منها قلبه ومركزه.
تقدم باكلي في Hamnet دور حياتها، من المعروف عنها أنها ممثلة تراكمية، قوتها الحقيقية تكمن في ما لا يقال، في الصمت الذي يسبق الانهيار لا في الانهيار نفسه، وهو ما جعلها الاختيار الأمثل لدور أغنيس
لا كلمات تكفي كي تصف هذا الأداء التمثيلي المذهل، لم تكن باكلي تمثّل بل كانت تعيش التجربة بكل ثقلها وآلامها، لقد عادت أغنيس إلى الحياة مرة أخرى بفضل ممثلة مذهلة في موهبتها
أداؤها يتصاعد باضطراد لافت، في بداية الفيلم هي الفتاة المتمردة الحالمة لاحقاً تتطور لتكون الأم القلقة التي تخاف فقدان أي طفل من أطفالها، وعندما يقع المحظور نقف مذهولين أمام ما نراه، لا تلجأ باكلي للكلام الكثير بل تكتفي بالحزن بالصدمة وبصرخة واحدة تخترق القلوب قبل الأسماع كي تنعي أعظم خساراتها، ملامحها الذاوية المرهقة تروي الكثير مما لا يقال، جسدها بحركاته يقول الكثير ما لا يمكن للكلمات نطقه.
ألقها يطغى على جميع الشخصيات الأخرى في الفيلم، يرثي مأساة الأم بصدق وحساسية، أما تمثيلها فقد شكل الثقل الدرامي الأهم، إنه وبالقطع الأداء التمثيلي الأفضل لهذا العام ومنذ أعوام.
بألق أخف بقليل جاء بول ميسكال كي يكون الطرف الثاني في هذا الصراع المأساوي، ميسكال هنا ليس ويليام شكسبير العظيم، بل هو الزوج والأب المحطم الذي لا يعرف كيف يوقف الألم الذي يصعقه كل لحظة، فيلجأ إلى المسرح ليحكي للعالم كله قصة خسارته، إنه شبح الأب الهائم بلا لحظة راحة واحدة في مسرحية هاملت التي كتبها لأجل ابنه كاعتذار له على خذلانه.
لقد جاء أداؤه مكملاً لأداء باكلي مبرزاً التوازن بين الألم الفردي والروابط الأسريةألقها يطغى على جميع الشخصيات الأخرى في الفيلم، يرثي مأساة الأم بصدق وحساسية، أما تمثيلها فقد شكل الثقل الدرامي الأهم، إنه وبالقطع الأداء التمثيلي الأفضل لهذا العام ومنذ أعوام.
موسيقى تعزف على نياط قلوبنا

كانت موسيقى الألماني ماكس ريختر التصويرية استثنائية في روعتها، ألحانها تتراقص على نياط قلوبنا، حتى المقطوعات المألوفة تبدو وكأنها وُلدت من جديد لأجل هامنت، كالفيلم الذي صنعت لأجله كانت الموسيقى مُفعمة بمعاناة لا تنتهي تضخمها الموسيقى في كل حركة، كل نفس، كل شهقة مكتومة بلا كلام.
كان لموسيقى ريختر دور حاسم في البعد العاطفي للفيلم، تحثّ على الشعور تتغلغل في الأذهان بلا استئذان تدفع الدموع لتنذرف بلا هوادة.
يقال أن الموسيقى لغة الأرواح وموسيقى هامنت خرجت من ذلك العالم الغيبي الغامض كي تجعلنا وحتى آخر مشهد على شفير التحطم، إنها ألحان خارجة من روح أحرقها الفراق والذنب والموت وهذا ما يجعلها مثاليةً لهذا العمل.
كلوي تشاو المخرجة التي تبدع في الواقعية

دائماً ما أظهرت كلوي تشاو براعة فائقة في الإخراج، إنها سيدة كاميرتها كل مشهد يدار بدقة متناهية وحدس لا يخيب خارج من خلفيتها الثقافية النابعة من أكثر حضارات العالم سحراً وعراقةً، الإيقاع هادئ سلس يسمح للحظات أن تفتح ببطء مغلفاً ببعض السحر والروحانية، تتعامل تشاو مع الفيلم كأنما هو خشبة مسرح، كاميرتها ثابتة لقطاتها تتفاوت بين البعد والقرب، تلتقط لحظات الصمت المثقل بالخسارة، الفراغ الشاسع المجلل بالموت، مما يجعلها شخصية من شخصيات الفيلم لا مجرد أداة تسجيلية عادية.
التصوير يخطف الأنفاس، خاصة صور الغابة في النصف الأول للفيلم والتي حملت جمالاً عابراً يمتزج بألم مرتقب، يتخلل الضوء ثغرات أغصان الأشجار يتلصص على حياة أغنيس كأنما هي مرتبطةً بالأرض، التراب في كل مكان، لا كزينة بل كاستعارة.
إنه هناك يعيش تحت الأظافر، ويلتصق بأطراف الملابس، ويملأ الفراغات التي تعجز الكلمات عن وصفها، هذا الارتباط العميق بالطبيعة البكر يتحول إلى أساس أغنيس الروحي، غالباً ما يُنظر إليها على أنها ساحرة غابة من قبل أولئك الذين لا يفهمونها، لكن تشاو ترينا أن تواصلها مع الطبيعة كان مصدر قوة وسحر نفسي لا خرافة من خرافات الجدّات.
تتجلى براعة تشاو الإخراجية في المشهد الأخير الذي يُعيد كل شيء إلى نصابه، هنا تبلغ تشاو ذروة ثقتها وإلهامها السينمائي، تكشف عن الغاية الكامنة المستترة وراء كل صورة هادئة، وكل صمت طويل وكل كادر فارغ، تحت إدارة تشاو كان الصمت أبلغ من ألف كلمة.
إن فيلم Hamnet ليس إعادة سرد لحياة شكسبير كمسرحي غير العالم كله، بل هو طقس سينمائي، حزن خُلق في رحم النور والظلام، مرثية نابعة من قلب الألم.
يُقدّم كل من باكلي وميسكال اثنين من أروع أداءات هذا العام، وتُثبت تشاو مرةً أخرى قدرتها على إيجاد حقائق عظيمة في لحظات حميمة.
فيلم Hamnet لا يكتفي لاختراق القلب إنما يحطمه يمزقه إنه فيلم تراه مرة وتعيش أحداثه كل مرة، إنه عمل سيعيش إلى الأبد شاهداً على أن السينما ما زالت ولاّدة، وأن السحر لم ينته بعد.

Movie Critic
